الاثنين، 12 نوفمبر، 2012

أكــثــروا مــن ذكــــــر هــــادم اـلــــلـــذات

ذكر الموت مقصر للأمل
ذكر الموت يقصر الأمل ويدفع طوله ، ويوجب التجافي عن دار الغرور والاستعداد لدار الخلود في فضيلته والترغيب فيه أخبار كثيرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله - : ( أكثروا ذكر هادم اللذات ) ، قيل ، وما هو يا رسول الله ! ؟ قال : ( الموت ، فما ذكره عبد على الحقيقة في منعه إلا ضاقت عليه الدنيا ، ولا في شدة إلا اتسعت عليه ) . وقال رسول ( ص ) - : ( تحفة المؤمن الموت ) . وقال ( ص ) الموت كفارة لكل مسلم ) . وقيل له ( ص ) : هل يحشر مع الشهداء أحد ؟ قال : ( نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة ) . وقال ( ص ) : ( أكثروا من ذكر الموت ، فإنه يمحص الذنوب ، ويزهد في الدنيا ) . وقال ( ص ) : ( كفى بالموت واعظا ) . وقال ( ص ) : ( الموت الموت ، ألا ولا بد من الموت ، جاء الموت بما فيه ، جاءا بالروح والراحة والكرة المباركة إلى الجنة عالية لأهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم ) وقال ( ص ) ( إذا استحقت ولاية الله والسعادة ، جاء الأجل بين العينين وذهب الأمل وراء الظهر ، وإذا استحقت ولاية الشيطان والشقاوة ، جاء الأمل بين العينين وذهب الأجل وراء الظهر ) وذكر عنده ( ص ) رجل فأحسن الثناء عليه فقال ( ص ) ( كيف ذكر صاحبكم للموت ؟ ) قالوا : ما كنا نكاد نسمعه يذكر الموت قال : ( فإن صاحبكم ليس هنالك ) . وسئل : أي المؤمنين أكيس وأكرم ؟ فقال : ( أكثرهم ذكرا للموت ، وأشدهم استعدادا له ، أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة ) . وقال الباقر ( ع ) : ( أكثروا ذكر الموت فإنه لم يكثر ذكره إنسان إلا زهد في الدنيا ) . وقال الصادق ( ع ) : ( إذا أنت حملت جنازة فكن كأنك أنت المحمول وكأنك سألت ربك الرجوع إلى الدنيا ففعل ، فانظر ماذا تستأنف ) ثم قال ( ع ) ( عجبا لقوم حبس أولهم عن آخرهم ، ثم نودي فيهم بالرحيل وهم يلعبون ) . وقال ( ع ) لأبي بصير بعد ما شكى إليه الوسواس - : ( أذكر يا أبا محمد تقطع أوصالك في قبرك ورجوع أحبائك عنك إذا دفنوك في حفرتك وخروج ، بنات الماء من منخريك وأكل الدود لحمك ، فإن ذلك يسلي عليك ما أنت فيه ) ، وقال أبو بصير : فوالله ! ما ذكرته إلا سلى عني ما أنا فيه من هم الدنيا وقال ( ع ) : ( من كان كفنه معه في بيته لم يكتب من الغافلين ، وكان مأجورا كلما نظر إليه ) . وقال ( ع ) : ( ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ، ويقلع منابت الغفلة ، ويقوي القلب بمواعد الله ، ويرق الطبع ، ويكسر أعلام الهوى ، ويطفئ نار الحرص ، ويحقر الدنيا ، وهو معنى ما قال النبي ( ص ) : ( فكر ساعة خير من عبادة سنة ) ، وذلك عندما يحل أطناب خيام الدنيا ويشهدها في الآخرة ، ولا ينكر نزول الرحمة عند ذكر الموت بهذه الصفة ، ومن لا يعتبر بالموت ، وقلة حيلته ، وكثرة عجزه ، وطول مقامه في القبر ، وتحيره في القيامة : فلا خير فيه . وقال النبي ( ص ) : ( أكثر ذكر هادم الذات . . ) ثم ذكر تمام الحديث كما مر . . ثم قال ( ع ) : والموت أول منزل من منازل الآخرة وآخر منزل من الدنيا ، فطوبى لم أكرم عند النزول بأولها ، وطوبى لمن أحسن مشايعته في آخرها ، والموت أقرب الأشياء من بني آدم ، وهو بعده أبعد ، فما أجرأ الإنسان على نفسه ، وما أضعفه من خلق ، وفي الموت نجاة المخلصين وهلاك المجرمين ، ولذلك اشتاق من اشتاق إلى الموت وكره من كره ، قال النبي ( ص ) ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ) فصل العجب ممن ينسى الموت عجبا لقوم نسوا الموت وغفلوا عنه وهو أظهر اليقينيات والقطعيات في العالم وأسرع الأشياء إلى بني آدم ، وقال الله - سبحانه تعالى - ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) . وقال - ( كل نفس ذائقة الموت وأنما يتوفون أجورهم يوم القيامة فيمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) . وقال الصادق ( ع ) : ( ما خلق الله يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت ) . وقال أمير المؤمنين ( ع ) ( ما أنزل الموت حق منزلته من عد غدا من أجله ) وقال ( ع ) : ( لو رأى العبد أجله وسرعته إليه ، لأبغض العمل من الدنيا ) . وقال الصادق ( ع ) ( ما من أهل بيت شعر ولا وبر إلا وملك الموت يتصفحه كل يوم خمسة مرات ) . وقد تقدمت أخبار أخر في هذا المعنى . فصل الموت أعظم الدواهي إعلم أن الموت داهية من الدواهي العظمى ، ومن كل داهية أشد وأدهى وهو من الأخطار العظيمة والأهوال الجسيمة ، فمن علم أن الموت مصرعه والتراب مضجعه والقبر مقره وبطن الأرض مستقره ، والدود أنيسه والعقارب والحيات جليسه ، فجدير أن تطول حسرته وتدوم عبرته ، وتنحصر فيه فكرته وتعظم بليته ، وتشتد لأجله رزيته ، ويرى نفسه في أصحاب القبور ويعدها من الأموات ، إذ كلما هو آت قريب والبعيد ما ليس بآت وحقيقة ألا يكون ذكره وفكره وغمه وهمه وقوله وفعله وسعيه وجده إلا فيه وله ، قال رسول الله - صلى الله عليه وآله - : ( لو أن البهائم يعلمون ما تعلمون ما أكلتم منه سمينا ) . وقال ( ص ) لقوم يتحدثون ويضحكون : ( أذكروا الموت أما والذي نفسي بيده ! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ) . ومر ( ص ) بمجلس قد استعلاه الضحك ، فقال : ( شوبوا مجلسكم بذكر مكدر اللذات ) . قالوا : وما مكدر اللذات ؟ قال : ( الموت ) . ثم غفلة الناس عن الموت لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ، ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ ، بل بقلب مشغول بشهوات الدنيا وعلائقها ، فلا ينفع ذكره في قلبه ، فالطريق فيه : أن يفرغ القلب عن كل شئ إلا عن ذكر الموت الذي بين يديه ، كالذي يريد أن يسافر إلى بلد بعيد ما بينهما مفازة مخطرة ، أو بحر عظيم لا بد أن يركبه ، فإنه لا يتفكر إلا فيه ، ومن تفكر في الموت بهذا الطريق وتكرر منه ، لا ترى ذكره في قلبه ، وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا وتنزجر نفسه عنها ، وينكسر قلبه ، ويستعد لأجله . وأوقع طريق فيه أن يكثر ذكر أقرانه الذين مضوا قبله ، ونقلوا من أنس العشرة إلى وحشة الوحدة ، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مصاحبة الهوام والديدان ، ويتذكر مصرعهم تحت التراب ، ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ، ثم يتفكر كيف محي التراب الآن حسن صورتهم ، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم ، وكيف أملوا نسائهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت منهم مساكنهم ومجالسهم وانقطعت آثارهم وأوحشت ديارهم ، فمهما تذكر رجلا وفصل في قلبه حاله وكيفية صيانة وتوهم صورته ، وتذكر نشاطه ، وأمله في العيش والبقاء ، ونسيانه للموت ، وانخداعه بمؤثثات الأسباب ، وركونه إلى القوة والشباب ، وميله إلى الضحك واللهو ، وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع ، وأنه كيف كان يتردد والآن قد تهدمت رجلاه ومفاصله ، وكيف كان ينطق وقد أكل الدود لسانه ، وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه ، وكيف دبر لنفسه الأمور وجمع من حطام الدنيا ما لا ينفق احتياجه إليه على مر الأعوام والشهور وذكر الأزمنة والدهور . ثم يتأمل أن مثلهم ، وغفلته كغفلتهم وسيصير حاله في القبر كحالهم ، فملازمة هذه الأفكار وأمثالها ، مع دخول المقابر وتشييع الجنائز ومشاهدة المرضى ، تجدد ذكر الموت في قلبه ، حتى يغلب عليه بحيث يصير الموت نصب عينيه وذلك ربما يستعد له ويتجافى عن دار الغرور ، وأما الذكر بظاهر القلب وعذبة اللسان فقيل الجدوى في النية والايقاظ ومهما طاب قلبه بشئ من أسباب الدنيا ، فينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بد من مفارقته كما نقل : أن بعض الأكابر نظر يوما إلى داره فأعجبه حسنها فبكى وقال : والله لولا الموت لكنت مسرورا بها فصل مراتب الناس في ذكر الموت الناس بين منهمك في الدنيا خائض في لذاتها وشهواتها . وبين تائب مبتدئ ، وعارف منتهي . ( فالأول ) : لا يذكر الموت ، وأن ذكره فيذكر ليذمه لصده عما يحبه في الدنيا ، وهو الذي يفر منه ، وقال الله - تعالى - فيه ( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ) . وهذا يزيده ذكر الموت بعدا من الله ، إلا إذا استفاد منه التجافي عن الدنيا ، ويتنغص عليه نعيمه ، ويتكدر صفو لذته ، وحين إذ ينفعه ، لأن كل ما يكدر على الإنسان اللذات فهو من أسباب نجاته . ( والثاني ) : يكثر ذكر الموت لينبعث من قلبه الخوف والخشية ، ففي بتمام التوبة ، وربما يكرهه خيفة من أن يختطفه قبل الاستعداد وتهيئة لزاد وتمام التوبة ، وهو معذور في كراهة الموت ، ولا يدخل تحت قوله ( ص ) : ( من كره لقاء الله كره الله لقاءه ) ، لأن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره ، وهو الذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقاءه على وجه يرضاه ، فلا يعد كارها للقاءه . وعلامة هذا : أن يكون دائم الاستعداد للموت لا شغل له سواه ، وإن لم يكن مستعدا له عاملا بما ينفعه في الآخرة التحق بالأول . ( وأما الثالث ) : فإنه يذكر الموت دائما ، لأنه موعد للقاء حبيبه ، والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب ، وهذا في الغالب الأمر يستبطئ مجئ الموت ويحب مجيئه ، ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رب العالمين كما روي : ( أن حذيفة لما حضرته الوفاة قال : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من رده ، اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إلي من الغنى ، والسقم أحب إلي من الصحة ، والموت أحب إلي من الحياة ، فسهل علي الموت حتى ألقاك ) . وأعلى رتبة منه : من يفوض أمره إلى الله ، ولا يختار لنفسه شيئا : من الموت أو الحياة ، والفقر والغنى ، والمرض والصحة ، بل يكون أحب الأشياء إليه أحبها إلى مولاه ، وهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى درجة التسليم والرضا ، وهو الغاية والانتهاء . تتميم المبادرة إلى الحسنات من علامات قصر الأمل وذكر الموت : المبادرة إلى الحسنات واشتياق
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .